[center]
المصطلح والقضية[/center]
[center]الشيخ بن الطلبه[/center]
البيان منة كبرى ونعمة جُلى وهو من أعظم ما من به الخالق على المخلوق وعلمه إياه، وذُكِر في معرض الإمتنان بعد نعمة الخلق في قول الله تعالى: {خلق الإنسان علمه البيان}.
والبيان لا يتم إلا باللسان وليس اللسان مجرد اللغة، لأن اللغة محض ألفاظ وتراكيب ومعان محدودة، أما اللسان فهو بالإضافة لما تقدم تأثير تلك الخلفيات التي تشحن اللغة بأفكار تنتج عن تجارب مجتمعية ذات روافد بيئية وثقافية وفكرية موغلة في التعقيد، فالعربي القح إذا نطق فبلسان العرب، لا بلغتهم فحسب، لذلك لم يقل الحق جل وعلا أن القرآن الكريم أنزل بلغة عربية وإنما قال أنه أنزل {بلسان عربي مبين}.
فقد نجد من ينطق العربية ولكنه لا يتكلم اللسان العربي لأن لهذا الأخير روافده الخاصة التي تضيق اللغة بها ذرعا .
ومن ثم فمن ما لا مراء فيه أن اللغة داخلة في اللسان العربي والعكس غير صحيح، ثم إن لغة أي أمة هي وسيلتها الأولى للإقلاع الحضاري شرط أن ترقى إلى مستوى اللسان وإن عبرنا باللغة جريا على نمط أسلوبي عند العرب من باب تسمية الشيء ببعضه.
ذلك أن اللسان عموما بما فيه اللغة يتحكم بشكل حاسم في تفكير الإنسان، وتفكيره هو الذي يطبع تصرفاته ويوجهها، وكل إنسان إنما يفكر تبعا للغته ويبدع اعتمادا عليها ومن خلالها لا غير.
ولعل هذه الحقيقة التي لا مراء فيها من أهم الأمور التي دعت إلى بروز علم جديد باتت الحاجة إليه ملحة بشكل مُلفت يسمى {علم اللسانيات} يعتني بدراسة اللسان بكل شجونه.
وما يهمنا من "علم اللسانيات" في هذا المقام هو الجانب المتعلق بـ "المصطلح" الذي طالما شكل عدم تفهمه وسوء التعاطي معه عقبة كأدى اعترضت ولا زالت تعترض طريق نهضة هذه الأمة؛ أما الغرب فقد استوعب الدرس باكرا فاستخدم "المصطلح" كسلاح ووظفه على جبهتين كنا الخاسر في كلتيهما ضمنت الأولى الإبقاء على تخلفنا حضاريا، والثانية هدم ما كنا نبنيه بوتيرة بطيئة.
1ـ الجبهة الأولى: "المصطلح" مسمى بدون اسم
إن الرافد الأساس الذي ضمن تحقيق هدف الغرب على مستوى هذه الجبهة من زاوية "المصطلح" هو التقدم الحضاري الصارخ الذي تمثل في الثورة الصناعية الكبرى، ومن حق من صنع شيئا أن يسميه بما شاء، وهذا هو مربط الفرس، أما نحن فليس أمامنا كأمة تتعلق بذيل الركب الحضاري إلا أن نبحث عن ترجمة للتسمية الجديدة للمصنوع الجديد؛ تلك التسمية التي لن نستوعب علة مسماها إلا بعد فهم ما أطلقه عليها الصانع بدقة متناهية، لأن الاسم يتضمن خصائص المسمى غالبا، وهذا ما يتطلب منا اللجوء للترجمة، ثم إن الترجمة الدقيقة للمصطلح ليست سهلة، بل هي عمل مؤسساتي معقد يحتاج طاقات وعقولا ورؤية عميقة تعتمد على طاقم متكامل ومؤهل، أما حين نسمي الأشياء بغير مسمياتها فسيختلط الحابل بالنابل، وهو ما حدث ويحدث، وهكذا نبقى عاجزين عن فهم التسمية فضلا عن صناعة المسمى مما يضمن الإبقاء على التخلف الحضاري حتى لا نبرح مكاننا، ونكون هنا أمام مسمى بدون اسم، فنحن لم نحدد لهذا المنتوج الجديد اسما حقيقيا دقيقا، أحرى أن ننتجه، والغرب لا يعمل من أجل سواد عيون أحد، وحين نعود للوراء حين كان الغرب يرزخ تحت وطأة التخلف وكانت الأمة تشهد نهضة حضارية وعلمية كبيرة، نجد أن المستشرق الغربي وصل إلينا فدرس العربية ونقل العلوم بلغتنا التي استوعبها تماما ثم لم يجد ـ بالطبع ـ صعوبة في ترجمتها إلى لغته الأم، وبدأ من حيث انتهينا فتقدم أشواطا ولم نبرح مكاننا.
2ـ الجبهة الثانية: "المصطلح" اسم بدون مسمى
على هذه الجبهة لا يحتاج الغرب سوى صياغة لفظ بسيط هو مصطلح بلا مفهوم، ولا يبحث له عن أي دلالة متعارف عليها، وذلك هو السر الغريب للمسألة، لكن العجب العجاب أن هذا المصطلح المعتل يحقق بسهولة أقصى الأهداف المتوخاة منه.
فمثلا حين يخطط الغرب لضربنا في الصميم لا يشرع في إشهار أسلحته النارية الفتاكة وإطلاقها إلا بعد أن يمهد لذلك بلفظ واحد هو "المصطلح" فالحرب علمية وفكرية وإعلامية، قبل أن تكون ميدانية بين هذا العسكر وذاك.
وهكذا تقوم المخابر اللسانية للعقل الغربي بطبخ "المصطلح" بحيث لا يقبل ترجمة دقيقة، ويحمل شحنات دلالية خطيرة تحيل في ذهنية وخلفية الإنسان الغربي إلى معان شنيعة { لسانيا} بحيث يتم ـ للوهلة الأولى ـ كسب المعركة على المستوى الداخلي ولدى الرأي العام وتتكفل وسائل الإعلام الغربية بشحذ المصطلح ومركزته في ذهنية وتصور الإنسان المضلل إعلاميا، كما حدث مع مصطلح "الإرهاب" هذا المصطلح الذي سوقه لنا الغرب، وكان فخا سقطنا فيه للوهلة الأولى حين بدأنا نردده في وسائل إعلامنا كالببغاوات دون أن يتحدد له مفهوم دقيق، فالغرب لا يريد تحديد مفهومه أبدا كي يُدخل فيه ما شاء ومن شاء وكما شاء كما تنص على ذلك قواعد اللعبة عنده.
لقد قاموا بتسويق مصطلح "الإرهاب" داخليا وخارجيا ولم يجدوا كبير عناء في تمريره بطريقتهم الخاصة وجعْلِه مبررا لكل ما يريدون فعله، وكسبوا من خلاله حلفاء ذوي أجندة خاصة، فأضافوا لقضايا الأمة قضية أخرى حين غزوا العراق، وغيرها وسالت دماء كثيرة، و كنا في الموعد لاستلام الفاتورة ودفعنا الثمن غاليا.
وقبل ذلك خلقوا لنا مصطلح "مسيرة السلام" لوأد قضية الأمة والشعب الفلسطيني في مهدها، وهذا المصطلح الأخير مركب تركيبا إضافيا في غاية الخطورة لجعلنا نتوهم أننا في مسيرة متواصلة وأن هذه المسيرة ـ أولى ضمائم المصطلح ـ ستوصلنا إلى السلام، وليظل الهدف هو المسيرة إلى السلام وليس السلام بذاته، ونكتفي من الغاية بالوسيلة، ومن تحقيق الأمل بالأمل، لقد ابتلعنا الطعم وبدأنا نتقبل الواقع إلى أن ألفناه، وواصلوا التلاعب بنا ولا زالوا.
وهذه مغالطة كبيرة، والسلام ـ ببساطة ـ إما أن يقع أو لا يقع، فلا معنى لمسيرة في اتجاهه، لكن كل ما في الأمر أن المعركة لغوية لسانية قبل كل شيء، فهل سينتبه من يمثل هذه الأمة في المحافل كلها لهذه الحقيقة الدقيقة؟
وهل سيحسبون لها حسابها بالتسلح بالعلم قبل كل شيء؟
أم أن فصولا أخرى من المهزلة في طريقها إلينا ؟؟؟
اللهم سلم.
اللهم سلم.
الشيخ ولد الطلبهchtoulba@maktoob.comتحضير أطروحة دكتوراه
فاس/ المغرب